القرطبي

211

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : وحجة القول الثاني ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم إن رجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به . قال أبو عمر : ومن اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشئ . هذا هو الأشهر عن مالك . وقد روي عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه ، كما يكفر بقلبه وإن لم ينطق به لسانه . والأول أصح في النظر وطريق الأثر ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تجاوز الله لامتي عما وسوست به نفوسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله يد ) . الرابعة - إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف وتركه معصية . وإن كانت يمينا فليس الوفاء باليمين واجبا باتفاق . بيد أن المعنى فيه إن كان الرجل فقيرا لا يتعين عليه فرض الزكاة ، فسأل الله مالا تلزمه فيه الزكاة ويؤدي ما تعين عليه من فرضه ، فلما آتاه الله ما شاء من ذلك ترك ما التزم مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه ، لكن التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه إذ كان طلبه من الله تعالى بغير نية خالصة ، أو نية لكن سبقت فيه البداية المكتوب عليه فيها الشقاوة . نعوذ بالله من ذلك . قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : ( إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما كتب له في غيب الله عز وجل من أمنيته ) أي من عاقبتها ، فرب أمنية يفتتن بها أو يطغي فتكون سببا للهلاك دنيا وأخرى ، لان أمور الدنيا مبهمة عواقبها خطرة غائلتها . وأما تمني أمور الدين والأخرى فتمنيها محمود العاقبة محضوض عليها مندوب إليها . الخامسة - قوله تعالى : ( لئن آتانا من فضله لنصدقن ) دليل على أن من قال : إن ملكت كذا وكذا فهو صدقة فإنه يلزمه ، وبه قال أبو حنيفة : وقال الشافعي : لا يلزمه . والخلاف في الطلاق مثله ، وكذلك في العتق . وقال أحمد بن حنبل : يلزمه ذلك في العتق ولا يلزمه في الطلاق ، لان العتق قربة وهي تثبت في الذمة بالنذر ، بخلاف الطلاق فإنه